ابن أبي الحديد

328

شرح نهج البلاغة

فيه ، ولكنه أخبر عن خلقه ، ظانا أن الخلافة لا تصلح إلا لشديد الشكيمة ، العظيم الوعورة . وبمقتضى ما كان يظنه من هذا المعنى ، تمم خلافة أبى بكر بمشاركته إياه في جميع تدبيراته وسياسته وسائر أحواله ، لرفق وسهولة كانت في أخلاق أبى بكر ، وبمقتضى هذا الخلق المتمكن عنده ، كان يشير على رسول الله صلى الله عليه وآله في مقامات كثيرة وخطوب متعددة ، بقتل قوم كان يرى قتلهم ، وكان النبي صلى الله عليه وآله يرى استبقاءهم واستصلاحهم ، فلم يقبل عليه السلام مشورته على هذا الخلق . وأما إشارته عليه يوم بدر بقتل الأسرى حيث أشار أبو بكر بالفداء ، فكان الصواب مع عمر ونزل القرآن بموافقته ، فلما كان في اليوم الثاني وهو يوم الحديبية أشار بالحرب ، وكره الصلح ، فنزل القرآن بضد ذلك ، فليس كل وقت يصلح تجريد السيف ، ولا كل وقت يصلح إغماده ، والسياسة لا تجرى على منهاج واحد ولا تلزم نظاما واحدا . وجملة الامر أنه رضي الله عنه لم يقصد عيب علي عليه السلام ، ولا كان عنده معيبا ، ولا منقوصا . ألا ترى أنه قال في آخر الخبر : ( إن أحراهم وليها أن يحملهم على كتاب الله وسنة رسوله لصاحبك ) ، ثم أكد ذلك بأن قال : ( إن وليهم ليحملنهم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم ) ، فلو كان أطلق تلك اللفظة ، وعنى بها ما حملها عليه الخصوم ، لم يقل في خاتمة كلامه ما قاله . * * * وأنت إذا تأملت حال علي عليه السلام في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله ، وجدته بعيدا عن أن ينسب إلى الدعابة والمزاح ، لأنه لم ينقل عنه شئ من ذلك أصلا ، لا في كتب الشيعة ولا في كتب المحدثين ، وكذلك إذا تأملت حاله في أيام الخليفتين أبى بكر وعمر ، لم تجد في كتب السيرة حديثا واحدا يمكن أن يتعلق به متعلق في دعابته ومزاحه ، فكيف يظن